نحو مجهول المعالم، معلوم الوجهة.



التاسعة صباحاً من يوم الأحد، اعتدنا أن نبدأ اسبوعنا بنشاط فكري داخل أحد القاعات المغلقة. استقبلتني طاولة بيضاء اصطفت عليها قصاصات كتبت عليها أرقام مرتبة بالتسلسل و أمام كل رقم علبة سوداء أو كيس محتواهما (مجهول).

كانت قواعد اللعبة تقتضي: على كل فرد منا أن يقف و يختار أحد الأرقام ثم يلقي نظرة سريعة على محتوى العلبة أو الكيس و يبدأ فوراً مستخدماً كل مهارته في اقناع أحد أفراد الفريق بإقتناء ذلك (المجهول) ، و إن فشل (فالمجهول) المعلوم يصبح ملكه!

في كلا الحالتين هو فائز بناءاً على هدفه (منحه للآخرين أو للأنا) سواءاً عرِفَهُ الجمهور أم لا.

كل فرد من الفريق أخذ دوره و مدة زمنية مختلفة في استعراض قدراته على التسويق و التشويق و الاقناع و الصبر و الإصرار مستخدمين المرح تارة و الخدعة تارة آخرى .. كانت اللحظة المثيرة هي لحظة الكشف عن معالم (المجهول) و اختلاف ردة فعل كل واحد منا مابين متفاجئ، معارض، نادم و مندهش!

كان الهدف المرتجى من صاحبة الفكرة تجسيد مدى تأثير لغة أجسادنا على قرارات غيرنا و استحضار وعّينا تجاه أهمية العمل على تطوير هذه اللغة. تحوارنا حول ذلك و ربطنا استنتجاتنا بقصص و مواقف تَعرضّنا لها أثناء مسيراتنا نحو التغير و استطردنا معلقين عن مدى أدراكنا عن ما نقوله لغيرنا من خلال لغة اجسادنا و لغتنا الغير منطوقة.

وقعت عيني أثناء ذلك الحوار على لوحة من لوحات صاحبة الفكرة التي يخال لك للوهلة الأولى أنها أحد اللوحات القديمة المشهورة! و إن كنت تعرفها فقد يستغرق الأمر منك لحظات لتقتنع أنها مختلفة في التفاصيل و الألوان و القياسات.



قفز الى فكري مصطلح ( الحياز المعرفي) ،

(cognitive bias)

و أنا احللها و اربط ذلك باستنتاجات حوارنا ؛ وجدت نفسي مباشرة أسأل الفريق دعونا نفكر مرة آخرى في قرارتنا،

لماذا قرر بعضنا اقتناء (المجهول) و بقي الآخر متردد؟ لماذا أصر البعض و حسم قرار رفضه؟

مالذي لفت انتباه الأشخاص لينتقوا مجهول دون آخر؟ لماذا تأثر البعض بقرار الأكثر شعبية بيننا؟ الأكثر ثقة؟

لماذا اندهش البعض من عدم سماعهم لبعض المواصفات التسويقية؟ لماذا آمن البعض في تحديد المجهول بسرعة والإيمان بأنه هو بصورة مفرطة؟

ماذا لو كان صاحب المسرح لا ينتمي لفريقنا؟

ماذا لو كان أحد الأشخاص ذوي السمعة الحسنة أو السيئة؟ كيف نتحيز لانحيازاتنا المعرفية؟

كثيرة هي أنواع الانحيازات المعرفية المُعرَفة علمياً ، و من أكثرها شيوعًا:

انحياز التأكيد (Confirmation Bias)

إرشادية التوفر (Availability Heuristic)

تأثير هالو (Halo Effect)

انحياز المصلحة الذاتية (Self-serving Bias)

انحياز الانتباه (Attentional Bias)

انحياز المُراقب-المُمثل (Actor-Observer Bias)

التثبيت الوظيفي (Functional Fixedness)

انحياز الارتساء (Anchoring Bias)

تأثير المعلومات المضللة (Misinformation Effect)

تأثير الإجماع الخاطئ (False Consensus Effect)

انحياز التفاؤل (Optimism Bias)

تأثير دانينج-كروغر (The dunning-Kruger effect)

تذكر دائماً عندما تحكم وتتخذ القرارات عن العالم من حولك، أنك قد تعتقد أنك تفكر بموضوعية ومنطقية، وقادر على استيعاب وتقييم المعلومات المتاحة لك. ولسوء الحظ، تلك الانحيازات توقعنا في اخطاء وتؤدي إلى قرارات وأحكام غير صحيحة خصوصاً عندما نتحدث عن صناعة التغير نحو مجهول المعالم معلوم الوجهة.
1 view0 comments

Recent Posts

See All